محمد بن جرير الطبري

303

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

للعاصي على المعصية ، فهما - وإن اتفق لفظاهما - مختلفا المعنى . وكذلك قوله : ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ) [ سورة البقرة : 194 ] ، فالعدوان الأول ظلم ، والثاني جزاءٌ لا ظلم ، بل هو عدل ، لأنه عقوبة للظالم على ظلمه ، وإن وافق لفظه لفظ الأول . وإلى هذا المعنى وَجَّهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك ، مما هو خبرٌ عن مكر الله جل وعزّ بقومٍ ، وما أشبه ذلك . وقال آخرون : إنّ معنى ذلك : أن الله جل وعز أخبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوْا إلى مَرَدَتهم قالوا : إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، وإنما نحن بما نُظهر لهم - من قولنا لهم : صدقنا بمحمد عليه السلام وما جاء به - مستهزئون . يعنون : إنا نُظهر لهم ما هو عندنا باطل لا حَقٌّ ولا هدًى . قالوا : وذلك هو معنى من معاني الاستهزاء ، فأخبر الله أنه " يستهزئ بهم " ، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا خلافَ الذي لهم عنده في الآخرة ، كما أظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في الدين ما هم على خلافه في سرائرهم . والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا : أن معنى الاستهزاء في كلام العرب : إظهارُ المستهزِئ للمستهزَإ به من القول والفعل ما يُرضيه ( 1 ) ظاهرًا ، وهو بذلك من قِيله وفِعْله به مُورِثه مَساءة باطنًا ( 2 ) . وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر . فإذا كان ذلك كذلك = وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام - بما أظهروا بألسنتهم ، من الإقرار بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله ، المُدْخِلِهم في عداد من يشمله اسمُ الإسلام ( 3 ) ، وإن كانوا لغير ذلك

--> ( 1 ) في المطبوعة : " ما يرضيه ويوافقه ظاهرًا " . ( 2 ) في المخطوطة : " مورطه مساءة باطنًا " . ( 3 ) في المطبوعة : " المدخل لهم في عداد . . " ، وقوله : " المدخلهم " نعت لقوله : " من الإقرار " .